عماد الدين خليل
6
المستشرقون والسيرة النبوية
ولكنّ هذه الروافد كافة ، ما تلبث أن تتجمّع لكي تجعل موقف المسلم من سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم واحدا . أيّا كان موقع هذا المسلم ، اللهم إلّا في حالات استثنائية تقتصر على الخارجين على الإسلام بهذه الدّرجة أو تلك ، وعلى بعض الدارسين الذين تلقّوا تأثيرات مضادة عن مصادر غير إسلامية . إن هذا الموقف المتوحّد من السيرة الذي تتغلغل في نسيجه مشاعر الاحترام والتقدير والإعجاب والمحبة واليقين . . والذي يجد في السيرة تعبيرا متكاملا عن العقيدة التي ينتمي إليها ، يجد في الدراسات الاستشراقية ( الخارجية ) عن السيرة تغرّبا عن مسلّماته وخروجا صريحا عن بداهاته ، وما يمكن اعتباره محاولات متعدّدة لإصابة هذه المسلّمات والبداهات بالجروح والكسور . . وهي لن تفعل فعلها في يقينه ، إلّا في حالات معينة بينما نجدها تدفعه في أغلب الحالات وأعمّها إلى الاشمئزاز والنّفور . هذا مع أن معالجة واقعة تمتد جذورها إلى عالم الغيب ، وترتبط أسبابها بالسماء ، ويكون فيها ( الوحي ) همزة وصل مباشرة بين اللّه سبحانه ورسوله الكريم ، ويتربّى في ظلالها المنتمون على عين اللّه ورسوله ليكونوا تعبيرا حيّا عن إيمانهم ، وقدوة حسنة للقادمين من بعدهم . . واقعة كهذه لا يمكن بحال أن تعامل كما تعامل الجزئيات والذرّات والعناصر في مختبر للكيمياء . . أو كما تعامل الخطوط والزوايا في المساحات على تصاميم المهندسين ، بل ولا كما تعامل الوقائع التاريخيّة التي لا ترتبط بأيّ بعد دينيّ أصيل . . إننا هنا بمواجهة تجربة من نوع خاص ، وشبكة من العوامل والمؤثّرات تندّ عن حدود مملكة العقل ، وتستعصي على التحليل المنطقيّ الاعتياديّ المألوف ، ومن ثم فإنّ محاولة قسرها على الخضوع لمقولات العقل الصرف ومعطيات المنطق المتوارثة لا يقود إلى نتائج خاطئة حينا ، ولا تستعصي عليه بعض الظواهر حينا آخر فحسب ، بل إنه يقوم بما يمكن اعتباره جريمة